ثقافة في الدورة الـ38 لمهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط: مصر وتونس.. والبحث عن القاعة المفقودة... بقلم: أسامة عبد الفتاح
نشر في 13 أكتوبر 2022 (20:28)
بقلم: أسامة عبد الفتاح
من أهم ندوات الدورة الـ38 لمهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط، والتي اُختتمت أمس الاثنين، تلك التي أُقيمت الخميس الماضي لتكريم السينما التونسية بإدارة الناقدة ماجدة موريس، وبحضور السفير التونسي في مصر محمد بن يوسف، والمنتج التونسي حسن دلدول، والمخرج التونسي رشيد فرشيو، ومدير التصوير سمير فرج، فقد أعادت فتح واحد من أهم ملفات السينما العربية وسعت لإيجاد حلول لمعضلات دامت مستعصية عشرات السنين.
لم يقتصر الأمر على الاحتفاء بالسينما التونسية باعتبارها ضيف شرف المهرجان في هذه الدورة في إطار عام الثقافة المصرية – التونسية، بل امتد إلى بحث التعاون المأمول بين الجانبين، ومحاولة حسم قضايا مطروحة منذ عقود للجدل العقيم المستمر، مثل عرض الأفلام التونسية – والأفلام العربية بشكل عام – في مصر، وإنعاش الإنتاج العربي المشترك بدلا من السعي للتمويل الأجنبي الذي يملي شروطه.
بدلا من الكلمات الإنشائية، دخل المخرج رشيد فرشيو مباشرة في صلب الموضوع، وقال إننا نردد ما يتعلق بالإنتاج المشترك وبفتح سوق للأفلام العربية في مصر منذ سنوات طويلة دون اتخاذ أي خطوة للأمام، رغم توفر النوايا الطيبة ووجود تجارب سابقة ناجحة.. وتذكر في هذا الإطار تجربته مع النجمين المصريين شريهان وجميل راتب وكيف دعماه في فيلم "كش مات" عام 1995، حيث حكى على سبيل المثال أن شريهان وافقت على الفيلم وسافرت إلى المغرب – حيث تم تصويره – خلال 24 ساعة فقط، كما رفضت الحصول على أي أجر نظير المشاركة فيه.
وهنا ذكرت أمام الحضور أنني أجريت مع فرشيو حوارا لمجلة "الفن السابع" السينمائية المتخصصة منذ نحو ربع قرن من الزمان، وفيه ناقشنا نفس القضايا ورددنا نفس المطالب ولم يحدث شيء ملموس حتى الآن، وطالبت الدكتور خالد عبد الجليل، مستشار وزير الثقافة لشئون السينما، الذي كان متواجدا، بحل حاسم، مثل تخصيص ولو قاعة واحدة من دور السينما التابعة للدولة لعرض الأفلام العربية دون سواها.
ورد عبد الجليل مؤكدا أنه لا توجد مشكلة في ذلك، وأنه مستعد لتخصيص القاعة بشرط توفير الأفلام وتسوية حقوقها الأدبية والتجارية، فتعهد السفير التونسي محمد بن يوسف أمام الجميع بذلك، والمعروف في هذا الصدد أن المركز الوطني التونسي للسينما والصورة، التابع للدولة، يشارك في دعم معظم الأفلام التونسية وبالتالي له حقوق فيها.
وبطبيعة الحال، تمت إثارة مسألة اللهجة التي يرددها الكثيرون كمبرر لعدم التحمس لعرض الأفلام العربية في مصر، زاعمين أن المصريين لن يفهمونها.. ورغم أن الدكتورة إنصاف أوهيبة، منسقة الاحتفالية، أعلنت يومها أن الفيلم التونسي "مشكي وعاود" سيُعرض خلال المهرجان "مترجما" إلى اللهجة المصرية، إلا أنني أبديت اعتراضي على ذلك، وقلت إن هذا "تدليل" غير مطلوب للجمهور المصري، فاللهجة التونسية ليست صعبة إلى هذا الحد، ويمكن تلقيها والاعتياد عليها خلال وقت قصير كما اعتاد الجمهور التونسي على اللهجة المصرية بمرور الوقت، ومع تراكم المشاهدات.
وكان لابد من الاستماع لشهادة المنتج والموزع الكبير حسن دلدول، أول تونسي شارك في إنتاج فيلم مصري، وأقصد "السقا مات"، للمخرج الراحل صلاح أبو سيف، والذي قدمه بالاشتراك مع المخرج الراحل يوسف شاهين عام 1977.. وأبدى دلدول إعجابه بقوة المرأة المصرية، مما دفعه لتقديم فيلم عن حياة الرائدة هدى شعراوي استعان فيه بالقريبين منها، ومنهم الفنان جميل راتب الذي تربطه صلة قرابة بها.
وتم تكريم دلدول في إطار احتفاء المهرجان بالسينما التونسية، كما تضمنت الفعاليات عرض برنامج للأفلام الكوميدية القصيرة مدته 120 دقيقة، والاحتفال بمرور 100 عام على عرض الفيلم التونسي "زهرة" الذي تم إنتاجه عام 1922، وعرض الفيلم الوثائقي "ألبير شمامة شيكلي" (30 دقيقة)، الذي أخرجه محمود بن محمود عام 1995 عن الرائد السينمائي التونسي المعروف الذي يحمل الفيلم اسمه.
والمعروف أن الشهر المقبل سيشهد تنظيم أسبوع ثقافي تونسي في مصر، وقال السفير محمد بن يوسف إن السينما سيكون لها نصيب كبير فيه.. كما أكد مستشار وزير الثقافة لشئون السينما أن الأسبوع المصري التونسي سيركز علي أهم الأفلام المصرية التونسية وكذلك تاريخ التوزيع السينمائي بين مصر وتونس وأعلن عن وجود قسم كامل للسينما في إطار الاهتمام المشترك بالفن السابع.
والحق أن الحديث عن قوة العلاقات المصرية التونسية وعن عشق الجمهور والمسئولين التوانسة للسينما المصرية ليس كلاما مرسلا ولا إنشائيا، ويمكن أن أذكر مثالا واحدا على ذلك: فقد كانت مصر نجمة "أيام قرطاج السينمائية" عام 2016 بلا منازع، رغم أن تلك الدورة كانت مخصصة للاحتفال بـ"خمسينية الأيام"، وكانت حاضرة في كل دقيقة وكل عرض من أول لحظة في حفل الافتتاح، حيث كانت أغنية محمد منير "علّي صوتك بالغنا" - من فيلم "المصير" - هي برومو المهرجان، وكانت تُذاع قبل كل عرض على خلفية من لقطات الأفلام المشاركة.. وفي كل مرة، حتى لو أُذيعت كل خمس دقائق، كان التوانسة يصفقون ويغنون ويرقصون معاها.